بناء ثقافة التطوع

بناء ثقافة التطوع

يمثل التطوع أحد الأركان الرئيسية لبناء المجتمع المدني، الذي بحكم تعريفه باعتباره تنظيمات وسيطة تقع ما بين الدولة والأسرة ، لا تستهدف الربح وتسعى إلى تحقيق الصالح العام، وتعكس جهودًا إرادية تطوعية - يؤكد على التطوع- كما أن بناء مقياس للمجتمع المدني قد تضمن بشكل متكرر اختبار التطوع، وذلك من خلال القيمة الاقتصادية للتطوع، وإسهامها في الناتج القومي ، القدرة على تعبئة واجتذاب المتطوعين في المجتمع المدني ، واستدامة مؤسسات المجتمع المدني من خلال توفير التمويل، وأيضًا من خلال توافر المتطوعين ، كما أن أحد مؤشرات قياس الانعكاسات هو حث المجتمع على التطوع ، ومن ثم فإنه بحكم تعريف المجتمع المدني وبناء مقياس لفعاليته فإن التطوع الذي يرتبط بتعظيم الموارد البشرية هو قضية أساسية في المنظمات الأهلية.

مفهوم التطوع

أثار مفهوم التطوع رغم ما يبدو من بساطة في مدلوله، عدداً من الاختلافات والنقاش حوله ، وقد اتفق مجموعة من خبراء الأمم المتحدة في حلقة بحثية سبقت العام العالمي للتطوع 2001 ، حول هذا المفهوم باعتباره يشير إلى "تخصيص وقت وجهد ، بشكل إرادي حر ، ودون الحصول على أرباح مادية، لمساعدة الآخرين والإسهام في تحقيق النفع العام / الصالح العام"، ولعل قيمة هذا التعريف ترجع في أحد أبعادها إلى توسيع معنى التطوع ليضم أشكالاً متعددة من التطوع لا تقتصر فقط على أشكال التطوع النظامي داخل منظمات لها إطار مؤسسي وقانوني وإنما تشمل أيضًا أشكال التطوع غير النظامية والتي تتم بشكل تلقائي، وفي إطار لا ينظمه القانون في بعض المجتمعات المحلية . ومن هنا فالتطوع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإطار الثقافي والاجتماعي القائم فيه وبمدى ترسخ "ثقافة التطوع" فيه والتي تعني "مجموعة من القيم والاتجاهات والممارسات ، التي تحث على التطوع وتدعمه وتعلي من قيمة السلوك التطوعي" . وثقافة التطوع بهذا المعنى تعد محصلة لعملية تنشئة اجتماعية طويلة تتم عبر وسائط التنشئة المختلفة (الأسرة ، المؤسسة التعليمية ، وسائل الإعلام ، الأحزاب السياسية ، الجماعات المهنية ، النوادي الاجتماعية والرياضية) .

قياس التطوع

نظرًا لأهمية التطوع باعتباره يمثل رأس المال البشري للمنظمات الأهلية ، فإن قياس التطوع يعد أحد السبل لتنمية الموارد البشرية للمنظمات ، وتعود أهمية قياس التطوع إلى :

1 إمكانية حساب القيمة الاقتصادية والاجتماعية لجهود المتطوعين .

2 التخطيط وإعادة التخطيط لسياسات مؤسسات التنشئة الاجتماعية .

3 توجيه السياسات والكشف عن جوانب القصور .

4 التوجيه العلمي والعملي للتطوع .

يقاس التطوع من خلال تصميم استبيان يتضمن المحاور الأساسية لقياس حجم التطوع في بلد ما ، ومعرفة خصائص المتطوعين من حيث (العمر ، النوع ، الخلفية التعليمية والاقتصادية ، أولويات مجالات التطوع ومدى تغيرها عبر المراحل الزمنية ، رصد وتحليل دوافع التطوع واختلافها بين المجموعات السكانية).

وفي هذا السياق فقد قامت الشبكة العربية للمنظمات الأهلية بدراسة مقارنة عام 2000 في (مصر ، الأردن ، فلسطين) عن "التطوع والمتطوعون في العالم العربي" بهدف التعرف على التطور التاريخي للعمل التطوعي في العالم العربي والعوامل التي أثرت به ، ودراسة ملامح المتطوعين ودوافعهم واتجاهاتهم نحو القضايا الرئيسية في العمل التطوعي ، كما تمت دراسة بعض الجمعيات الأهلية للوقوف على مدى تأثير الأبعاد الثقافية في بنية وعمل هذه الجمعيات .

يبقى القول بأن هناك غياباً شبه تام للمسوح الميدانية التي تقيس التطوع، وغياباً للمراكز والمؤسسات المعنية بالقياس ، رغم أهمية ذلك على مستويات مختلفة ، كما أشرنا .

إشكاليات العمل التطوعي

تشير نتائج البحوث الميدانية التي أجرتها الشبكة العربية للمنظمات الأهلية إلى أن العمل التطوعي يواجه العديد من الإشكاليات التي يمكن إجمالها على النحو التالي:

1 محدودية مشاركة المتطوعين في العمل الأهلي العربي .

2 إن المشاركة الحقيقية للمتطوعين في صنع وتنفيذ السياسات والبرامج محدودة .

3 عدم توافر التوجيه والتدريب الكافي للمتطوعين .

4 إن الغالبية العظمى من المتطوعين وفقًا للدراسات الميدانية في العالم العربي ، في المرحلة العمرية من 45 65 سنة .

5 وفقًا لقاعدة بيانات الشبكة العربية للمنظمات الأهلية ، فإن هناك أزمة في المتطوعين بين النساء والشباب ، فمن جهة هناك تراجع للمرأة عن العمل التطوعي بصفة عامة ، ومن جهة أخرى فإن هناك عدم إقبال للشباب (أقل من 35 سنة) على العمل التطوعي .

6 ضعف الوعي العام لدى المواطنين بقيمة التطوع المنظم ، فلا توجد ثقافة تطوع .

7 شبه غياب تام في الساحة العربية لمراكز توجيه المتطوعين .

8 ضعف الحوافز المجتمعية للمتطوعين .

وهناك مجموعة من الأسباب التي ساهمت في ظهور هذه الإشكاليات ترتبط بتراكمات سلبية للثقافة السياسية السائدة التي أدت إلى درجة عالية من سلبية المواطن إزاء القضايا العامة وصياغة مناخ من عدم الثقة بين المواطن والدولة، وبين المجتمع المدني والدولة، كما أن عدم قيام مؤسسات التنشئة الاجتماعية بأدوارها في غرس ودعم ثقافة التطوع عبر وسائطها (الأسرة ، الأحزاب السياسية، المؤسسة التعليمية ، وسائل الإعلام..) يعد أحد أسباب محدودية المشاركة في العمل التطوعي، بالإضافة إلى ذلك فإن عدم توافر بيئة تشريعية مشجعة للمبادرات التطوعية ، حتى أنه لم تصل أية دولة عربية حتى الآن إلى توافق وطني حول التشريعات المنظمة للعمل التطوعي ، هو أيضًا من العوائق التي تواجه العمل التطوعي . يبقى أخيرًا إشكالية بناء قدرات المتطوعين التي يشوبها نقص كبير سواء على مستوى تدريب المتطوعين وفقًا لاحتياجاتهم وواقعهم وسماتهم ، بالإضافة لتيسير التواصل والتفاعل وتبادل الخبرات فيما بينهم (التشبيك) أو على مستوى القيام بالمسوح الميدانية والبحوث العلمية التي تتجه لتطوير عملهم التطوعي ، بالإضافة لتوفير قاعدة بيانات شاملة عن المتطوعين . وهي كلها أمور ترتبط بعدم إعطاء الاهتمام الكافي والضروري لبناء قدرات المتطوعين نتيجة لأسباب متعددة يرتبط بعضها بمحدودية وعي بعض المنظمات الأهلية بأهمية ربط جهودها وعملها ببناء قدرات المتطوعين ، وعدم توافر الموارد الكافية .

خلاصة ذلك ، أن العمل التطوعي يواجه العديد من الإشكاليات التي يرتبط بعضها بالثقافة السياسية للمجتمع، ومحدودية الدور الذي تؤديه مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة، وعدم توافر بيئة تشريعية مهيئة ومدعمة للتطوع وثقافة التطوع ، كما أن هناك مناخاً من عدم الثقة بين الدولة والمجتمع المدني مازال يؤثر سلبًا على أخذ المبادرات التطوعية ، بالإضافة إلى ذلك فإن هناك إشكاليات ترتبط بضعف المكونات العلمية البحثية التي يمكن أن ترشد سياسات العمل التطوعي وأبرزها غياب المسوح الميدانية وقواعد البيانات الوافية، وأخيرًا إشكاليات ترتبط بضعف بناء قدرات المتطوعين من ناحية التدريب والتشبيك، وعزوف النساء والشباب عن العمل التطوعي، وعلى الرغم من أنه يمكن تسجيل بعض الجهود للتغلب على بعض هذه الإشكاليات ، إلا أنها جهود متناثرة لا تنتظم في رؤية واضحة واستراتيجية محددة لدعم التطوع وثقافة التطوع .

بناء استراتيجية لدعم التطوع وثقافة التطوع

إن تدعيم التطوع وثقافة التطوع لابد أن يعتمد على استراتيجية محددة المعالم ، وليس على جهود عشوائية متناثرة ، فهناك دور رئيسي للمتطوعين في النهوض بالعمل الأهلي ، في هذا السياق هناك عدد من النقاط التي ينبغي أن تتوافر لبناء استراتيجية لدعم التطوع وثقافة التطوع وهي :

1 توافر رؤية تسعى إلى تحقيقها ، وتقود كل أركان الاستراتيجية .

2 آليات واضحة تحقق الأهداف ، ومسئوليات وأدوار تتوزع .

3 تكامل الأدوار بين كل الشركاء ، الدولة والمجتمع المدني .

4 شمول في التوجه إلى الجهات المستهدفة .

5 يقود الاستراتيجية بحث علمي وقاعدة بيانات .

6 القدرة على النفاذ إلى أعماق المجتمع وإلى قواعده الشعبية .

7 الالتزام بقيم وأخلاقيات العمل التطوعي .

إن عناصر هذه الاستراتيجية المتكاملة تتضمن العديد من التفاصيل المهمة ، فيما يتعلق بأهمية توافر الرؤية فهي تعني "حفز الجهود التطوعية وتفعيلها ، في إطار شراكة بين الدولة والمجتمع المدني ، لتحقيق أوسع مشاركة للمواطنين ، وذلك لمواجهة التحديات الإنمائية للألفية" ولكي تتحول هذه الرؤية إلى واقع ملموس فإنها ينبغي أن تستند على منهج علمي سليم ، وإلى فترة لتحقيقها متوسطة الأجل أو طويلة الأجل ، ومن ثم لابد من تكاتف كل الجهود الرسمية وغير الرسمية ومراكز البحوث لبناء قاعدة بيانات وافية عن المتطوعين .

أما عن الآليات والقنوات القادرة على التأثير الإيجابي في ثقافة التطوع والمتطوعين ، فإن مشاركة الجميع في إطار شراكة واضحة تحدد المسئوليات والأدوار تعد مسألة مهمة ، ومن ثم فهناك قنوات متعددة من بينها وزارات التعليم العالي وقبل الجامعي ، ووسائل الإعلام والأحزاب السياسية والجماعات المهنية والنوادي ، إن هذه القنوات تستطيع أن تعمل على دعم قيمة التطوع وإعلاء ممارساته .

أشرنا إلى أهمية أن تتجه الاستراتيجية إلى أعماق المجتمع في القواعد الشعبية في الريف والمناطق العشوائية والحضر الفقير ، ونشير هنا لأحد النماذج الفعالة في مصر التي استطاعت بوصولها إلى القاعدة الشعبية أن تسهم في مشاركة أبناء المجتمعات المحلية في تنمية المجتمع المحلي، وهو المشروع الذي يضم الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية والمجالس الشعبية والمحلية في بعض قرى ومراكز الوجه القبلي .

إن حفز العمل التطوعي هو أحد المسئوليات المهمة التي على مؤسسات المجتمع المدني أن تدعمها ، وخاصة أن البحوث الميدانية قد كشفت عن قصور الموارد التطوعية ، فلابد من أن تتوافر ضمن مؤسسات المجتمع المدني لجان أو هيئات مسئولة عن اجتذاب المتطوعين في المجتمعات المحلية ، ومن هنا فإن هناك دوراً رئيسياً يجب أن تقوم به مجالس إدارات المنظمات لتعبئة المتطوعين ، وإعطاء التطوع مساحة أكبر من الأهمية، من خلال التخطيط لتعبئة المتطوعين وتصميم وظائف وأعمال لهم ، ووضع ميزانية مناسبة لإدارة عملية التطوع.

وأخيرًا فإن التوافق حول مبادئ وقيم العمل التطوعي هو أحد الأبعاد المهمة في استراتيجية التطوع وثقافة التطوع . فهناك عدد من الموجهات القيمية التي ينبغي أن تحكم العمل التطوعي ، أبرزها الشفافية والمساءلة والمحاسبية والعمل الجماعي والديمقراطية ، وهي ما أكدت عليها مواثيق الشرف الأخلاقي للتطوع ضمن مجموعة أخرى من الالتزامات الأخلاقية للمتطوعين وللحكومات . وتتوافر على المستوى العربي والإقليمي وثيقتان مهمتان للعمل التطوعي صدرتا عن الشبكة العربية للمنظمات الأهلية وهما ميثاق الشرف الأخلاقي العربي للمنظمات الأهلية (القاهرة 1997) وإعلان الشفافية (بيروت 2002) .

 المصدر: www.shabakaegypt.org/Tat.doc

 

עבור לתוכן העמוד